محمد بن جرير الطبري
132
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هذا على معنى الفتنة ، وأنها الاختبار والابتلاء ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وإنما فتنة الله تعالى بعض خلقه ببعض ، مخالفته بينهم فيما قسم لهم من الأرزاق والأخلاق ، فجعل بعضا غنيا وبعضا فقيرا وبعضا قويا وبعضا ضعيفا ، فأحوج بعضهم إلى بعض ، اختبارا منه لهم بذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ يعني أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء ، فقال الأغنياء للفقراء : أهؤلاء من الله عليهم من بيننا يعني : هداهم الله . وإنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية . وأما قوله : لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا يقول تعالى : اختبرنا الناس بالغنى والفقر والعز والذل والقوة والضعف والهدى والضلال ، كي يقول من أضله الله وأعماه عن سبيل الحق للذين هداهم الله ووفقهم : أهؤلاء من الله عليهم بالهدى والرشد وهم فقراء ضعفاء أذلاء من بيننا ونحن أغنياء أقوياء استهزاء بهم ، ومعاداة للإسلام وأهله . يقول تعالى : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وهذا منه تعالى إجابة لهؤلاء المشركين الذين أنكروا أن يكون الله هدى أهل المسكنة والضعف للحق ، وخذلهم عنه وهم أغنياء ، وتقرير لهم أنا أعلم بمن كان من خلقي شاكرا نعمتي ممن هو كافر ، فمني على من مننت عليه منهم بالهداية جزاء شكره إياي على نعمتي ، وتخذلي من خذلت منهم عن سبيل الرشاد عقوبة كفرانه إياي نعمتي لا لغنى الغني منهم ولا لفقر الفقير ؛ لأن الثواب والعقاب لا يستحقه أحد إلا جزاء على عمله الذي اكتسبه لا على غناه وفقره ، لأن الغنى والفقر والعجز والقوة ليس من أفعال خلقي . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله تعالى بهذه الآية : فقال بعضهم : عنى بها الذين نهى الله نبيه عن طردهم ، وقد مضت الرواية بذلك عن قائليه . وقال آخرون : عنى بها قوما استفتوا النبي صلى الله عليه وسلم في ذنوب أصابوها عظام ، فلم يؤيسهم الله من التوبة . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، قال : ثنا سفيان ، عن مجمع ، قال : سمعت ماهان ، قال : جاء قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد أصابوا ذنوبا عظاما . قال ماهان : فما إخاله رد عليهم شيئا . قال : فأنزل الله هذه الآية : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ الآية . حدثنا هناد ، قال : ثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن مجمع ، عن ماهان : أن قوما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد إنا أصبنا ذنوبا عظاما فما إخاله رد عليهم شيئا ، فانصرفوا ، فأنزل الله تعالى : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قال : فدعاهم ، فقرأها عليهم . حدثنا المثني ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا سفيان ، عن مجمع التميمي ، قال : سمعت ماهان يقول ، فذكر نحوه . وقال آخرون : بل عني بها قوم من المؤمنين كانوا أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين نهاه الله عن طردهم ، فكان ذلك منهم خطيئة ، فغفرها الله لهم وعفا عنهم ، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم إذا أتوه